رحلة طهران إلى صنعاء: رسائل سياسية تتجاوز حدود العزاء
في تطور لافت، هبطت طائرة إيرانية في مطار صنعاء، الواقع تحت سيطرة مليشيا الحوثي، وسط تكتم شديد وفي توقيت تزامن مع وفاة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. ورغم أن الرحلة بدت ظاهريًا مهمة لنقل وفد تعزية، إلا أن مصادر تشير إلى أنها حملت رسائل سياسية ذات أبعاد تتجاوز مجرد واجب العزاء التقليدي.
تُعد هذه الرحلة المباشرة الأولى من نوعها منذ بدء الحرب في اليمن، وتمثل تحولًا استراتيجيًا في سياسات طهران الإقليمية، حيث تسعى إلى إعادة ترسيم نفوذها في المنطقة. كما شكلت هذه الخطوة اختبارًا مباشرًا للخطوط الحمراء للحكومة الشرعية والتحالف الدولي، في ظل توترات متصاعدة في مضيق هرمز وبحر الأحمر.
ولم يكن اختيار شركة "ماهان إير"، المدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية لارتباطها بفيلق القدس، محض صدفة. ويشير مراقبون إلى أن هذه الرحلة تستدعي ذكريات جسر جوي مماثل دشّنته طهران في مارس 2015، قبيل انطلاق عمليات التحالف العربي، بمعدل 14 رحلة أسبوعيًا.
تأتي هذه الخطوة الإيرانية في وقت حرج لشبكة "محور المقاومة"، بعد تلقي طهران ضربات قاسية في الداخل وعلى محاور نفوذها في سوريا ولبنان. ويرى مراقبون أن الحرس الثوري يسعى لنقل ثقله الاستراتيجي إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، لا سيما بعد تراجع دور حزب الله عمليًا.
من وجهة نظر تحليلية، تُفسر الخطوة الإيرانية في صنعاء على أنها استعراض قوة بديل، في ظل تراجع أسهم طهران في الشام. وتهدف طهران من خلال تمترسها في اليمن إلى إرسال إشارات لخصومها بأن أوراقها في البحر الأحمر وباب المندب لا تزال قوية، رغم التحولات العسكرية الأخيرة.
في المقابل، أثارت هذه الرحلة قلقًا بالغًا في أروقة مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الذي عقد اجتماعًا طارئًا وأصدر بيانًا وصفت فيه الخطوة بأنها "انتهاك صارخ لسيادة الجمهورية اليمنية، وتحدٍّ للقانون الدولي". وحمّل المجلس إيران ومليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن أي تبعات.
ولم يقف التصعيد عند هذا الحد، حيث جاءت توجيهات من طهران، على ما يبدو، لتصدر تصريحات عسكرية حوثية تهدد باستهداف المنشآت في المملكة العربية السعودية. وقد استدعى ذلك ردًا حازمًا من التحالف، مؤكدًا الجاهزية التامة للرد بقوة غير مسبوقة على أي مساس بأمن المملكة أو سيادة اليمن.
في السياق العام، تؤكد هذه الخطوة الإيرانية استحالة فصل الخطر الإيراني عن شبكة وكلائه في المنطقة. ويرى مراقبون أنه لا يمكن احتواء طهران أو تهذيب سلوكها العدواني دون تفكيك هذه الأذرع بشكل كامل، وإدراج هذا الملف الشائك ضمن أي تفاهمات مستقبلية. أمام المجتمع الدولي اليوم خيار حتمي: إما مواجهة الأزمة من جذورها، أو الاستعداد لدفع ثمن استقرار إقليمي هش ومؤقت.